ابو القاسم عبد الكريم القشيري

478

لطائف الإشارات

دليل الخطاب انّ من أذن له في الشفاعة تنفعه الشفاعة ، وإذا قبلت شفاعة أحد بإذن الرحمن فمن المحال ألّا تقبل شفاعة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهو أفضل الكافة ، وشفاعة الأكابر من صفوته مقبولة في الأصاغر في المؤجّل وفي المعجّل . والحقّ سبحانه يشفّع الشيوخ في مريديهم اليوم « 1 » ويقال شفاعة الرسول عليه السلام غدا للمطيعين بزيادة الدرجة ، وللعاصين بغفران الزّلّة ، كذلك شفاعة الشيوخ - اليوم - للمريدين على قسمين : للذين هم أصحاب السلوك فبزيادة التحقيق والتوفيق ، وللذين هم أصحاب التّخبّط والغرّة فبالتجاوز عنهم ، وعلى هذا يحمل قول قائلهم : إذا مرضتم أتيناكم نعودكم * وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ! وحكايات السّلف من الشيوخ مع مريديهم في أوقات فترتهم معروفة ، وهي مشاكلة لهذه الجملة ، وإن شفاعتهم لا تكون إلا بتعريف من قبل اللّه في الباطن ، ويكون ذلك أدبا لهم في ذلك قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 110 ] يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ( 110 ) لا يخفى على الحق شئ مما مضى من أحوالهم ولا من آتيها ، ولا يحيطون به علما . والكناية « 2 » في قوله : « بِهِ » يحتمل أن يعود إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ، ويحتمل أن يعود إلى الحقّ - سبحانه - ، وهو طريقة السّلف ؛ يقولون . يعلم الخلق ولا يحيط به العلم ؛ كما قالوا : إنه يرى ولا يدرك . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 111 ] وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 ) .

--> ( 1 ) بينما ينكر المعتزلة الشفاعة ( أنظر الملل والنحل للشهرستاني ) يثبت القشيري الشفاعة لا للرسول فقط بل للأولياء في الدارين ، وللشيوخ في هذه الحياة الدنيا . . على نحو ما هو واضح من إشارته . ( 2 ) الكناية في تعبير القشيري معناها ( الضمير ) ، وهو هنا الهاء في ( به ) .